التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نزاع التسعيرة بين الأطباء وشركات التأمين: حين تنهار الثقة من الداخل

في المقال السابق تحت عنوان "حرب التعاميم بين الأطباء وشركات التأمين"، حاولت رسم صورة شاملة للصراع بين طرفين: شركات تأمين تدير معركتها بانضباط مؤسسي، وأطباء كان الحق معهم غالباً لكنهم خسروا أرضهم بتفرق الصف. وفي ختام ذلك المقال، وضعت الثقل الأكبر من المسؤولية على عاتق الشق الطبي وممارساته الفردية.

وبما أنني أوضحت في المقال السابق أسباب حريتي في الكلام وحدودها، سأنتقل مباشرة إلى صلب الموضوع: فالمشكلة الحقيقية بين شركات التأمين والأطباء ليست خلافاً عاماً مبهماً، بل نزاع متكرر حول التسعيرة نفسها -كيف تُحتسب الأتعاب، وكيف تُفسَّر بنودها، وأين تبدأ المناورة وأين تنتهي الأحقية. فيما يلي أربعة أنماط عشتها بنفسي من موقعي السابق داخل دوائر التأمينات الصحية بالمستشفيات، توضح كيف يتولد هذا النزاع فعلياً من الجانب الطبي.

وهذه الأنماط الأربعة ليست سوى عينة مما صادفته فعليا، فالممارسات أكثر من أن تُحصر في مقال واحد، لكنني اخترتها تحديداً لأنها الأوضح والأكثر تكراراً، ولأن إيرادها كلها دفعة واحدة سيخرج المقال عن هدفه ويحوّله إلى قائمة لا تخدم القضية بقدر ما تشتت القارئ.

قصة الرقم السالب: حين يكون العدل في صورة عقوبة

من أكثر المشاهد إثارة للتعاطف الظاهري ملف تظهر فيه "أتعاب الطبيب" رقماً بالسالب. للوهلة الأولى يبدو المشهد صادماً: كيف تتحول أتعاب طبيب عالج مريضاً فعلاً إلى دين عليه؟ يتسلل الشعور بالظلم فوراً، ويصبح الطبيب في موقع الضحية أمام شركة "تحاسبه على شغله". لكن اصبر قليلاً قبل أن تصدر الحكم، لأن الحقيقة هنا تسير بعكس الانطباع الأول تماماً.

خذ هذا المثال: إجراء صغير أتعابه الفعلية حسب التسعيرة المعتمدة 200 دينار، يخضع لخصم تعاقدي 20% ونسبة مشاركة على المريض 20% أيضاً. لو احتُسب هذا الإجراء بصدق كما هو، تكون الأتعاب الصافية 120 ديناراً -رقم عادل، معروف مسبقاً، ولا جدال فيه.

لكن بعض الأطباء والمستشفيات لا يثقون بهذا المسار، فيلجؤون لحسبة "دفاعية" تقول: "الشركة رح تخصم بأي حال، فلنرفع نحن الرقم أولاً ليبقى الباقي معقولاً". فيُكتب نفس الإجراء بأتعاب 800 دينار بدل 200. وهنا تتحرك الشركة بمنطقها المعتاد، لكن على الرقم الجديد هذه المرة:

  • نسبة مشاركة المريض: 20% من 800 = 160 ديناراً
  • خصم تعاقدي: 20% من 800 = 160 ديناراً

إجمالي الاستقطاع 320 ديناراً، يُطرح من أتعاب أصلها الحقيقي 200 فقط. النتيجة: سالب 120 دينار -وهذا السالب ليس عقوبة تنتهي عند هذا الملف، بل دَين فعلي يُسجَّل باسم الطبيب عند الشركة. فحين يعود بملف جديد بأتعاب حقيقية قدرها 300 دينار، يُقتطع منها أولاً الـ120 المتراكمة، ولا يبقى له عملياً سوى 180.

وهنا تكمن المفارقة الحقيقية: هذا السالب لم تخترعه شركة التأمين ظلماً، بل صنعه الطبيب بيده حين قرر أن يغير بالأرقام بدل أن يثق بالتسعيرة المعتمدة. وهو بالضبط النمط الذي حوّل تعامل شركات التأمين من الثقة الافتراضية إلى التدقيق المشدد على الجميع -وثمنه، للأسف، يدفعه لاحقاً حتى الطبيب الملتزم الذي لم يناور يوماً.

الموافقة المسبقة: حين يتحول الاستثناء إلى قاعدة

نمط آخر لا يقل غرابة عن سابقه: طبيب موقّع فعلياً مع الشركة على اتفاقية معتمدة، وإجراؤه مُدرج أصلاً ضمن قائمة أسعار واضحة ومتفق عليها مسبقاً -ومع ذلك يصرّ، قبل كل عملية وبلا استثناء، على الحصول على موافقة بـ"رقم ثابت" يحدده هو بنفسه على كتاب التغطية.

والمدهش أن هذا الإصرار لا يُبرَّر بحجة طبية حقيقية، بل بصياغات فضفاضة: "الحالة خاصة"، "الإجراء غير نمطي"، "نوعية الحالة تستدعي تسعيراً مختلفاً" -جمل تتكرر بنفس القالب تقريباً مع كل مريض، بصرف النظر عن اختلاف الحالات فعلياً. وكأن كل عملية، رغم كونها مسعّرة وواضحة بالاتفاقية، تحولت فجأة إلى "استثناء" يستحق رقماً أعلى.

والمفارقة الأعمق هنا ليست في محاولة رفع الأتعاب بحد ذاتها -فهذا نقاش مشروع لو جرى بالطريقة الصحيحة، أي حين تُراجَع التسعيرة نفسها مع الشركة ويُعاد التفاوض عليها رسمياً. المفارقة أن الطبيب نفسه موقّع على قائمة أسعار محددة، لكنه يتعامل معها وكأنها غير ملزمة له وقت التطبيق الفعلي، بينما يتمسك بها حين تخدمه في مواضع أخرى.

والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا الإصرار على رقم مسبق ثابت، بدل أن يُترك الإجراء يسير بمساره الطبيعي -يُنفَّذ، ثم تُحتسب أتعابه فعلياً بعد العملية وفق التسعيرة المتفق عليها أصلاً؟ لو كان الطبيب واثقاً من استحقاقه، فالرقم الحقيقي سيظهر بعد الإجراء دون حاجة لتثبيته مسبقاً بصياغات استثنائية. لكن الإصرار على "التثبيت قبل التنفيذ" يكشف أن الهدف ليس توثيق حالة فعلاً استثنائية، بل تأمين رقم أعلى قبل أن تتاح للشركة فرصة مراجعته لاحقاً وفق آلياتها المعتادة.

تجارة المستلزمات: الفاتورة الموازية التي لا يراها أحد

نمط ثالث، وربما الأخطر لأنه الأقل وضوحاً للعين غير المتخصصة: عملية عادية، لها بروتوكول معروف ومستلزمات متوفرة أصلاً ضمن ستوك المستشفى، لكن الطبيب يشترط فجأة أن تُجلب المستلزمات من شركة توريد محددة بعينها -لا غيرها، ولا بديل عنها.

ظاهرياً الأمر يبدو تفصيلاً إدارياً بسيطاً: "الطبيب يفضّل نوعية معينة". لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فحين تُجلب المستلزمات من خارج ستوك المستشفى المعتمد والمتفاوَض على أسعاره مسبقاً، تدخل فواتير خارجية منفصلة -غير خاضعة لنفس آليات التفاوض والتسقيف- وتُضاف كاملة على فاتورة المريض. والنتيجة أن قيمة المستلزمات وحدها قد تتضاعف، أحياناً إلى الضعف، مقارنة بما كانت ستكلفه لو استُخدم ستوك المستشفى نفسه.

والأخطر أن الشركة، حين تراجع الفاتورة، تجدها مرتفعة بشكل غير مفهوم مقابل عملية تصنّف "عادية" حسب التسعيرة المعتمدة -فتدفع أحياناً ضعفي أو ثلاثة أضعاف القيمة الحقيقية لعملية بسيطة، لا لأن الإجراء الطبي تغيّر، بل لأن سلسلة التوريد نفسها تحولت إلى مصدر ربح موازٍ لا علاقة له بجودة الرعاية.

وهنا يتضح لماذا توسّع التدقيق الطبي ليشمل حتى تفاصيل المستلزمات لا الإجراء وحده: لأن الثغرة لم تعد في "الأتعاب" فقط، بل في كل بند يمكن تمريره كـ"ضرورة طبية" بينما هو في جوهره صفقة تجارية بين طرف ثالث والطبيب، يدفع ثمنها المريض والشركة معاً دون أن يدريا.

المعضلة التي لا حل لها: حين يصمت المستشفى خوفاً

والسؤال الذي يفرض نفسه بعد كل هذه الأنماط: أين إدارة المستشفى من كل هذا؟ أليست هي الطرف الذي يملك صلاحية إلزام الجميع بالاتفاقية الموقّعة مع الشركة؟

الحقيقة أن الإدارة، في الغالب، تعلم تماماً. تعلم أن هذه الفاتورة المضخّمة ستُخصم، وأن ذلك السالب سيتراكم، وأن تلك المستلزمات الخارجية ستُرفض أو تُجادَل فيها لاحقاً. لكنها لا تتحرك، ولا تجرؤ على إلزام الطبيب بحرفية الاتفاقية -ليس لأنها لا تفهم المخاطر، بل لأنها محاصرة بين خيارين أسوأ كلاهما من الآخر.

الخيار الأول هو إغضاب الطبيب، وهو -كما أسلفنا في المقال السابق- المحرك الأول لقرار المريض والكتلة التشغيلية الأكبر داخل المستشفى. طبيب واحد يقرر الانسحاب أو تقليص ساعاته يعني خسارة تدفق مرضى كامل، لا مجرد موظف. والخيار الثاني أخطر: أن تتدخل الإدارة علناً فتُتهم بالتواطؤ مع شركة التأمين ضد مصلحة طبيبها، وهي تهمة كافية لتفجير علاقة الثقة مع الجسم الطبي بأكمله، لا مع طبيب واحد فقط.

فتختار الإدارة -مكرهة- الصمت والخضوع، على أمل أن تُمتص الخسارة المالية بطريقة أو بأخرى، أو أن تُسوّى لاحقاً بالتفاوض. لكن المفارقة القاسية أن هذا الصمت لا يحمي المستشفى بالضرورة؛ فقد تستيقظ الإدارة فجأة على قرار إلغاء اعتمادها بالكامل من شركة التأمين، دون أن تكون هي من بادر بالمخالفة، ودون أن تملك فرصة حقيقية لتصحيح مسار فرضه عليها طرف آخر داخل جدرانها.

وهنا بالتحديد تكمن المعضلة التي لا حل سهلاً لها: المستشفى يُحاسَب كمؤسسة واحدة موحّدة، بينما القرار الفعلي كان مشتتاً بين أطراف متعددة داخله، لكل منها مصلحته الخاصة ومنطقه الخاص. فالعقوبة تقع على الكيان، والمسبب الحقيقي قد يكون بعيداً تماماً عن مواجهة أي تبعة.

خاتمة

الأنماط الأربعة السابقة -الرقم السالب، الموافقة المسبقة المضخّمة، تجارة المستلزمات، وشلل الإدارة أمامها- ليست استثناءات متفرقة، بل منظومة متكاملة من الأسباب التي تفسّر، من داخل الصف الطبي نفسه، لماذا تحولت شركات التأمين من الثقة الافتراضية إلى الاشتباه الافتراضي في كل ملف يصلها.

هذا لا يعني تبرئة شركات التأمين من كل ما ورد في المقال السابق من مماطلة وبخس للأجور؛ فتلك ممارسات قائمة وموثّقة بذاتها. لكنه يعني أن أي قراءة منصفة للأزمة لا يمكن أن تكتفي بإلقاء المسؤولية على طرف واحد، بينما الواقع -كما عشته بنفسي من الداخل- أعقد وأكثر تشابكاً من أي رواية أحادية.

ويبقى الحل كما طرحته في المقال السابق: هيئة تحكيم مستقلة بقوة القانون، تملك سلطة الفصل والإلزام، بعيداً عن منطق "كل طرف يدافع عن مصلحته بالطريقة التي يراها مناسبة". فبدون حَكَم مستقل يضبط هذه الأنماط من جذورها، ستظل المنظومة تدور في نفس الحلقة: أطباء يناورون، مستشفيات تصمت خوفاً، وشركات تشدد الرقابة على الجميع -الملتزم منهم قبل المتجاوز- لأنها لم تعد تملك وسيلة أخرى للتمييز بينهما.

للاطلاع على كافة أجزاء السلسلة المهنية والتقارير الاستراتيجية تفضل بزيارة الفهرس الكامل:

الوصول إلى الفهرس الكامل
عن الكاتب | فهرس المقالات | إخلاء المسؤولية | تواصل معي