التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حرب التعاميم بين الأطباء وشركات التأمين: من يحكم التأمين الصحي الخاص في الأردن؟

تبدأ القصة دائمًا بنفس المشهد: مريض يوقّع على بوليصة تأمين تحمل شعارًا أنيقًا، وتصنيفًا ائتمانيًا مبهرًا، ووعدًا ضمنيًا بأن البطاقة التي بين يديه تكفيه شر المرض والفاتورة معًا. يدخل المستشفى مطمئنًا، ثم يبدأ الكشف الحقيقي: نسبة تحمّل هنا، استثناء هناك، فروقات أجور لم يُخبر بها أحد، وخصم تعاقدي بين المستشفى وشركة التأمين لا يستفيد منه المريض بشيء، بل يُحتسب من إجمالي الفاتورة ليدخل في احتساب نسبة التحمل ثم يُسقط في الفاتورة النهائية لصالح شركة التأمين، والمفارقة الموجعة أن كثيرين لو حسبوا الأمر بدقة لوجدوا أن العلاج نقدًا بلا تأمين كان سيكلفهم أقل. علمًا أن الحديث عن التأمين هنا لا يقتصر على شركات التأمين وحدها، فالجهات المؤمِّنة لنفقات العلاج تشمل أيضًا صناديق التأمين الصحي التابعة للنقابات العمالية، وتأمين موظفي البنوك وعائلاتهم، وإصابات العمل التي تغطيها مؤسسة الضمان الاجتماعي، ومرضى التأمين الصحي الحكومي من الدرجة الأولى، وكلها جهات تسري عليها الآليات والسياسات التعاقدية نفسها التي يتناولها هذا المقال، وإن كان التركيز هنا على شركات التأمين بوصفها الطرف الأبرز في هذه المعركة.

هذا الملف لست غريبًا عنه، ولا قرأته من الخارج كما يُقرأ خبر عابر؛ فقد عملت في القطاع الصحي لسنوات طويلة، وتحديدًا في دوائر التأمينات الصحية، حيث توليت متابعة كل ملف علاجي بنفسي، من أول موافقة حتى آخر تسوية مالية فعرفت كيف يفكّر كل طرف ويتحرك فعليًا، بعيدًا عمّا تقوله بياناته الرسمية وتصريحاته المعدّة سلفًا. ولعلّي اليوم تشجّعت على الكتابة في هذا الموضوع تحديدًا كوني قد رحلت خطاي إلى عوالم أوسع، فتركت القطاع الطبي، بل القطاع الخاص كاملًا، فلم تعد لي اليوم صلة بهذا القطاع ولا بأي من أطرافه، وهذا بالتحديد ما يمنحني حرية الكلام. لكنها حرية منضبطة: أعرف أكثر بكثير مما سأقوله هنا، وأختار أن أمسك عن تفاصيل كفيلة بإشعال معارك شخصية لا تخدم القضية، وأكتفي بما أراه يستحق أن يُقال بوضوح، وفق سياسة إخلاء المسؤولية والنزاهة المهنية المعتمدة في الموقع.

جذر لا يمكن تجاهله

هذه الفوضى لم تولد اليوم، فمنذ عام 2008 وحتى 2024 ظلت لائحة أجور الأطباء مجمّدة بينما الحياة من حولها تتغيّر ومعدلات التضخم ترتفع عامًا بعد عام، 16 عاماً من الجمود لم تكن وليدة الصدفة، بل نتيجة تراكم خلافات لم يحسمها أحد بحزم، وحين صدرت أخيرًا لائحة 2024 بزيادة تقارب الستين بالمئة بشكل عام وتضاعفت فيها أسعار بعض الإجراءات بالكامل، وأضافت إجراءات ورموزًا طبية جديدة لم تكن موجودة أصلًا في لائحة 2008 لم يكن اعتمادها سهلاً؛ فقد سبقه جولة من المد والجزر، وحرب تعاميم لا تختلف كثيرًا عمّا نشهده اليوم، إلى أن بدأ العمل بها فعليًا في منتصف عام 2025، وجاءت -في تقديري- منصفة ومتوازنة لطرفي المعادلة، وهي المعتمدة والمعمول بها حتى الآن، ومع ذلك فإن الخلافات حول تطبيقها وتفسير بنودها ما زالت تغذّي كل جولة تصعيد جديدة.

من يربح حين يخسر الجميع

في ظل هذه الفوضى، تسللت إلى القطاع الصحي ممارسات أقرب ما تكون إلى أساليب البيع والمساومة في الأسواق الشعبية، بعيداً عن أصول المهنة وأخلاقياتها؛ تعتمد على السمسرة وتوجيه المرضى بناءً على المصالح المتبادلة واعتماد "البكيجات" كأساس للتسعير. واضطرت الكثير من المستشفيات للرضوخ لهذا الواقع؛ لأن الطبيب هو المحرك الأول لقرار المريض والكتلة التشغيلية الأكبر داخلها. ورغم أن الواقع فيه ما هو أدهى وأشد، إلا أن الامتناع عن الخوض في التفاصيل ينبع من مسؤولية أخلاقية، وتجنباً لفتح معارك جانبية تشتت الانتباه عن أصل المشكلة.

في المقابل، لا تقل ممارسات بعض شركات التأمين ضرراً: تأخير متعمد في تسديد مستحقات الأطباء والمستشفيات لأشهر، وبخس متكرر للأجور عبر خصومات تُفرض بالأمر الواقع لا بالاتفاق، وتلاعب بالاعتمادات كأداة ضغط لا كمعيار جودة. ومع ذلك، يُحسب لشركات التأمين أنها أدارت معركتها كمؤسسات بانضباط وصفّ موحّد نسبيًا؛ بينما ظل الأطباء —رغم أن الحق كان غالباً معهم— الطرف الأضعف تفاوضياً، لأن وحدتهم كانت تنكسر في اللحظة الحرجة كلما فضّل طبيب أو مستشفى تسوية فردية على حساب الصف الجماعي.

وفي قلب هذا المشهد، تقف فئة تمارس ازدواجية مهنية صريحة: أطباء يعملون داخل شركات التأمين كمديري موافقات ومدققي مطالبات. تكمن خطورة هذه الفئة في أنها تمنح الشركات غطاءً فنياً لشرعنة الخصومات ورفض التغطيات تحت مسمى "التدقيق الطبي"، بينما يحافظون على صفة "الطبيب" بعضويتهم النقابية. والخلل هنا ليس في ممارسة وظيفتهم، بل في تحولهم إلى رأس حربة يدافع عن المصالح المالية للشركات باستماتة ضد زملائهم، متناسين أن تهميش الجسم الطبي وإضعاف موقفه سيعود بالضرر عليهم فور خروجهم من هذه المناصب التنفيذية.

العدالة تقتضي التمييز، لا التعميم

الحديث عن هذا الخلل لا يعني أن الجميع متجاوزون، بل يجب التمييز بوضوح بين من أسّس لهذه البيئة ومن اضطر للتأقلم معها: هناك شركات تأمين اعتمدت المماطلة وبخس الأجور كسياسة عمل، وفي المقابل أطباء ومستشفيات اعتمدوا السمسرة والبكيجات، وبين الطرفين تقف أغلبية تحاول العمل بنزاهة، لكنها تجد نفسها عاجزة عن الصمود؛ بعد أن تحولت هذه الممارسات إلى واقع فرضته آليات السوق، فأصبح الاستمرار بأساليب قديمة يعني عزلك وخروجك من المعادلة تلقائياً. المشكلة الحقيقية اليوم ليست في عدد المتجاوزين، بل في أن هذا المنطق المنحرف أصبح هو الحاكم الفعلي للقطاع.

في المقابل، هناك نموذج يستحق أن يقال ويثبت أن الأزمة ليست قدراً محتوماً: أطباء أتقنوا تفاصيل الترميز الطبي وضوابط احتساب النقاط، ويرفقون تقاريرهم موثقة طبياً لا تدع مجالاً للاجتهاد؛ وفي الجانب الآخر شركات تلتزم بسداد المستحقات بانتظام لمن يوثّق عمله بدقة. فالشركات في النهاية مؤسسات تُدار بمنطق مالي وحسابات تدقيق، وحين تجد ملفاً مستوفياً للشروط الفنية، يصبح الصرف بالنسبة لها إجراءً إدارياً حتمياً يمنحها إغلاق الملف وتحقيق الضبط المطلوب، بعيداً عن افتعال نزاعات لا فائدة منها. هذه التجربة تؤكد أن أسباب الخلاف تنتفي تماماً حين تحضر الشفافية، وأن الحل موجود بالفعل، لكنه يحتاج إلى حوكمة وانضباط يتهرب منهما المتكسبون من الفوضى.

حين تُحسب الأرقام قبل الصحة

المشكلة الأعمق هي أن القرار الطبي توقف في كثير من الأحيان عن كونه قراراً علاجياً خالصاً. أسئلة مثل: "كم سيكلف هذا الإجراء؟ وهل ستغطيه الشركة أم سيتعطل صرفه؟" أصبحت تسبق السؤال الأساسي: ما الذي يحتاجه المريض فعلياً؟ هذا الانحراف خلق واقعاً يتأرجح بين أمرين: إما إفراط في الفحوصات والتداخلات لرفع قيمة الفاتورة، أو تقليص للرعاية والتحفظ في العلاج تجنباً للرفض المالي. وفي الحالتين، يتحول المريض من حالة علاجية إلى رقم في حسابات الأرباح والخسائر.

وللأمانة، ورغم كل الملاحظات على شركات التأمين، يظل التعامل مع مؤسسة تحكمها الأوراق وتدقيق الأرقام أضمن للجميع من الخضوع لممارسات فردية ومساومات جانبية لدى بعض الأطباء؛ فالشركة كيان يُحاسَب بالنظام، أما الفوضى فلا مرجعية لها. وهذا موقف وقراءة ميدانية نابعة من تجربة ممتدة داخل القطاع، لا تنظيراً عن بُعد ولا كلاماً من برج عاجي؛ وهو رأي واجب الاحترام كما أحترم رأي الجميع. وأعلم تماماً أن هذا الطرح قد يزعج الكثيرين، لكن واقع الحال يؤكد أن من يستفزه هذا التوصيف المباشر يضع نفسه بالضرورة في خانة المنتفعين من هذه الفوضى ومنظومتها.

وأين الدولة من كل هذا؟

وسط هذا التراشق بالتعاميم والتصعيد المتبادل، يبرز السؤال عن غياب الرقابة الحازمة: فالمستشفيات والأطباء تقع مرجعيتهم التنظيمية والمهنية تحت سلطة وزارة الصحة، وشركات التأمين تخضع مباشرة لرقابة البنك المركزي. الجهتان تملكان كل الصلاحيات القانونية لإملاء القرارات وفرض الانضباط، ومع ذلك يُترك القطاع في حالة فوضى والمواطن وحده في المواجهة. ما نعيشه اليوم يعيد سيناريو تآكل السياحة العلاجية نتيجة الإهمال الرقابي، والقطاع الطبي بأكمله ينحدر نحو المصير نفسه إن استمرت الجهات الرسمية بدور المتفرج بدلاً من الحسم والسيطرة.

مخرج الأزمة: حَكَمٌ يملك سلطة الإلزام

استمرار هذا الصراع بمنطق التعاميم وكسر العظام لن ينتج عنه أي طرف رابح، والحل لن يأتي من داخل أطراف النزاع؛ لأن نقابة الأطباء واتحاد شركات التأمين يمثلان مصالح خاصة وتجارية مباشرة. وحتى إقحام منصات مثل نظام "حكيم كليمز" (Hakeem Claims) في هذه المعادلة لم يقدم أي فائدة عملية واضحة أو يلمس جوهر الأزمة. الخروج من هذا النفق يتطلب إيجاد هيئة تحكيم طبية وفنية مستقلة بقوة القانون، تتولى الفصل في الخلافات والمطالبات وفق معايير ترميز وتغطية موحدة وملزمة للجميع. دون وجود هذا الحَكَم المستقل الذي يملك سلطة القرار والتطبيق، ستظل المنظومة تدور في الفوضى نفسها.

اختزال الأزمة في انطباع مجتمعي يجعل شركات التأمين في دور "الظالم" والأطباء في دور "المظلوم" هو قراءة مجافية للحقيقة؛ فالثقل الأكبر من المسؤولية يقع على عاتق الشق الطبي وممارساته الفردية، بينما تعمل الشركات ضمن إطار مؤسسي واضح لضبط الإنفاق.

وفي النهاية، يبقى الأهم أن يبدأ كل طرف بمراجعة نفسه أولًا:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾

والمريض، الذي دفع ثمن هذا الصراع طويلًا من صحته وجيبه، يستحق أن يعود إلى مركز الاهتمام، لا أن يبقى آخر من يُسأل.

للاطلاع على كافة أجزاء السلسلة المهنية والتقارير الاستراتيجية، تفضل بزيارة الفهرس الكامل:

الوصول إلى الفهرس الكامل ←