التخطي إلى المحتوى الرئيسي

غفلة مجلس الإدارة: كيف تُدار ملايين المستشفيات بعقلية "الفزعة"؟ | الجزء (16)

تمهيد ضروري

هذا الجزء هو امتداد مباشر لتفكيك الهيكلية الإدارية الذي بدأناه في الجزء السابق؛ حيث إنه من الصعب استيعاب فصول هذه القصة وما تخللها من مواجهات دون تشريح البيئة الإدارية التي كانت تحكم المشهد وتصنع أزماته من خلف الستار.

​17 عاماً في القطاع الطبي—تدرجتُ خلالها من الميدان إلى إدارة عدة دوائر ومطبخ القرار—علمتني أن المعرفة الحقيقية لا تُستمد من الكتب فقط، بل تصقلها التجربة الميدانية المباشرة. وفي هذا المقال تحديداً، لن أطرح دروساً إدارية تقليدية؛ فالأبجديات الأساسية يعلمها الجميع، بل سنضع اليد على الخلل الهيكلي مباشرة.

غفلة الرقابة : حين يُدار المال بمنطق "المسايرة" لا "السيادة"

كيف يسمح مستثمرون يمتلكون ملايين الدنانير باستنزاف أصولهم بصمت لسنوات؟

الإجابة لا تكمن في "قوة" المدير العام، بل في عجز مجلس الإدارة عن ممارسة دوره الحقيقي في الرقابة والتحقق. لقد بدأ دمار هذه المنشأة من اليوم الأول الذي ضُربت فيه أبجديات التعيين عرض الحائط، حين أغفلوا السؤال عن ماضيه المهني وحقيقة إنجازاته السابقة.

استسلم المجلس لـ "وهن التبصر"، وارتضى دور المتفرج أمام تقارير إنشائية وصور مطمئنة وهمية؛ مفضلاً الاحتفاء بـ "المدير المساير" الذي يبيع الأوهام لتبرير الخسائر المستمرة كـ "كلفة مرحلية" لا تنتهي.

سقوط هيبة القرار: مجلس إدارة يُدار بالخديعة ويُبارك فشلاً يضحكُ عليه الصغار

يقف المدير العام عاجزاً تماماً عن إدارة وتشغيل أبسط مفاصل المنشأة، فتراه يتخبط في قراراته العشوائية في إدارة الأقسام التشغيلية بين 'الضمان' و'التأجير' و'التعطيل'، لدرجة أن قسماً واحداً شهد تغيير صيغة عقده اكثر من مره في عام واحد نتيجة هذا التشتت وفقدان البوصلة،والمفارقة التي تضع مجلس الإدارة أمام مرآة الحقيقة الصادمة هي أن هذه الأقسام نفسها، وبمجرد أن تُدار من قِبَل جهات خارجية (مُتضمنين)، تحقق نجاحاً وقوة تشغيلية ومالية ملموسة(يستفيد منه المتضمن) وليس للمؤسسة؛ وهذا يثبت بالدليل القاطع أن العلة ليست في الإمكانيات ولا في السوق، بل في 'عقلية الإدارة' العقيمة التي تعجز عن تشغيل ما ينجح فيه غيرها بامتياز. والأدهى من ذلك، أن هذا الفشل يُراد ترميمه عبر استغلال 'الشركاء الفنيين' وصغار المساهمين وتحويلهم إلى مجرد أداة لضخ السيولة العاجلة وإطفاء حرائق الفشل المالي للإدارة العامة؛ فبيع الأسهم بأسعار مضخمة لهؤلاء الشركاء لم يكن يوماً شراكة حقيقية ولا إشراكاً في القرار، بل وجد هؤلاء أنفسهم شركاء في تحمل التزامات مالية وقانونية وإدارية ناتجة عن قرارات كارثية لم يشاركوا في صياغتها أصلاً ومبنية على دراسات وهمية اشرف المدير العام على صياغتها. 

"الستر والصدفة" أمام واقع القانون

​إنّ إدارة منشأة طبية حساسة (تعنى بأرواح الناس) بمنطق "الفزعة" والرهان المستمر على "الستر والصدفة" هو مقامرةٌ غير محمودة العواقب، تتجاوز حدود الفشل الإداري لتصل إلى مصاف "الجريمة التنظيمية" بحق الاستثمار. لقد نجت المنشأة مراراً من كوارث محققة بفضل جهودٍ فردية لأطباء غيورين أو بسبب عدم دراية الجهات الرقابية بعمق الخلل، لكنّ الركون إلى هذا "الستر المؤقت" هو وهمٌ قاتل؛ فالمسؤولية القانونية لمجلس الإدارة لا تُجزأ، والشركاء في القرار هم شركاءٌ حتميون في المسؤولية أمام القضاء، شئنا أم أبينا.

​إنّ أي "حدثٍ طارئ" مستقبلي - لا قدر الله - لن يكون مجرد واقعة عابرة، بل سيكون بمثابة "السقوط" الذي سينزع قطعة القماش عن كافة الملفات المترهلة والمشاكل التي جرى التستر عليها لسنوات، لتفتح أبواب الجحيم القانوني والمحاسبة التي لا ترحم. عندها، لن يشفع للملاك غيابهم عن المشهد أو انخداعهم بتقارير "المدير المساير"، بل سيجدون أنفسهم وجهاً لوجه أمام واقعٍ مرير قد ينتهي خلف القضبان، حيث تتبخر الوجاهة وتنهار السمعة المهنية التي بنيت في عقود، لمجرد صمتهم عن إدارةٍ تقودهم نحو الهاوية وهم يظنون انهم يحسنون صنعا.

​والمصيبة الكبرى أن هذه المحاسبة لن تكون محصورة في زاوية واحدة، بل ستكشف عن شبكة معقدة من الأزمات التي تغلغلت في كافة القطاعات؛ فما جرى إخفاؤه هو مزيجٌ سام يجمع بين الفشل الطبي الفني الذي يمس الأرواح، والترهل الإداري الذي يستنزف الأصول، والتبعات القانونية الجسيمة التي تطال الجميع، في تداخل مريب يجعل من المستحيل فك خيوط هذه الملفات أو معالجتها بشكل منفرد بمجرد وقوع الفأس بالرأس.

​والأدهى من ذلك كله، أنّ جزءاً أصيلاً من هذه الكوارث لا يعود فقط لضعف الرقابة أو التغطية على الأخطاء، بل يتمثل في ممارسات وتجاوزات شخصية ومباشرة يقترفها هذا المدير بنفسه وبقرار ذاتي منه؛ أفعالٌ تجعل الخطر لا يكمن فقط فيما يُخفيه أو يفشل في إدارته، بل في كونه هو شخصياً المحرك والمسبب المباشر لأزماتٍ قانونية وأخلاقية سيجدون أنفسهم غداً مطالبين بتفسيرها أمام جهات التحقيق بصفتهم الغطاء الذي سمح بحدوثها.

فصْل الصدام: حين يفتح "القدر" أبواب الملحمة

المشاكل في هذه المنشأة كانت تُدار وفق مستويات:

  1. ​المشاكل الروتينية: كنتُ أتولى حلها بصمتٍ تام وستر من الله، دون إعلان أو ادعاء إنجاز.
  2. ​المشاكل المتوسطة: كنتُ أعالجها بتوجيه ودعم مباشر من الأستاذ نافز القاروط (أبو صلاح)، المدير المالي والإداري آنذاك.
  3. ​المشاكل الكبرى: كانت الكارثة الحقيقية؛ إذ يتطلب حلها صلاحيات سيادية وتدفقات مالية ضخمة، وهنا كانت اليد مغلولة أمام جدار من غياب الإرادة في التغيير.

​ولكن، كيف شاءت الصدف أن يُطلب مني "أنا شخصياً" توضيح هذه المشاكل؟ ومن هو ذلك الشخص من مجلس الإدارة (الملاك) الذي قرر فجأة أن يكسر حاجز الصمت ويطلب الحقيقة مني؟ كيف عرفني؟ وما هو الخيط الذي أوصله إليّ؟ وكيف تسببت محاولاتي الصادقة للإصلاح مع أصحاب الشأن أنفسهم في اندلاع "الملحمة الكبرى"؟ والسؤال الأهم: كيف، ورغم وقوفهم على حافة الهاوية ووضوح الحقيقة كشمس النهار، أخذتهم العزة بالإثم ليقامروا بما تبقى من أصول وسمعة مقابل حماية إدارة مهترئة؟

انتظروني في الأجزاء القادمة.. أحداث صادمة تضعكم في قلب المواجهة التي زلزلت الأركان وعرّت المستور...

للاطلاع على كافة أجزاء السلسلة المهنية والتقارير الاستراتيجية، تفضل بزيارة الفهرس الكامل:

الوصول إلى الفهرس الكامل ←