التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملامح المرحلة القادمة: كشف المستور خلف "الاستقرار الزائف" والانهيار الصامت (الجزء 15)

مهند الخضور (أبو زينة) - ملامح المرحلة القادمة: كشف المستور خلف الاستقرار الزائف في المنشآت الطبية

إدارة المنشآت الطبية بين الأمانة المؤسسية والمصالح الفردية: دراسة حالة

حين تُدار المنشآت الطبية بمعزل عن رسالتها الجوهرية، وتُقدَّم المصلحة الشخصية على حساب الأمانة المؤسسية، تصبح النتيجة حتمية: انحدار تشغيلي متسارع؛ إذ لا يُقدَّم هذا المقال كقراءة نظرية، بل كصورة موثقة لحالة منشأة واقعية تُطرح كنموذج تحليلي للتعلم والاستفادة. يتلخص المشهد العام في قيادة تنفيذيّة تتمسك بموقعها لتأمين مكاسب مالية استثنائية تتجاوز الواقع التشغيلي للمؤسسة وتضاهي عوائد الصروح الطبية الكبرى، مما يُبرز فارقاً واضحاً وكبيراً بين الأداء والمكتسبات. وقبل الخوض في تفاصيل هذا التحليل، يقتضي التوضيح المهني قطع الطريق على أي تأويل يخرج النص عن سياقه "التعليمي والإرشادي"، فهذا الطرح أكتبه بلسان المحلل المحايد، مؤكداً أن هذا المقال مجرّد تماماً من أي مصالح شخصية، ولا يقدم لي - الآن أو مستقبلاً - أي فائدة من أي نوع كان، منسجماً مع فلسفة هذه المدونة في التوثيق العلمي ليكون هذا التحليل مرجعاً تعليمياً لمن أراد فهم كواليس الإدارة؛ فالمقصد هنا هو "الحالة" لا "الشخص"، والهدف الأسمى هو توثيق ملامح منشأة طبية من واقعنا لتعميم الفائدة. وعليه، يعتبر الاطلاع على [بيان إخلاء المسؤولية والنزاهة المهنية] شرطاً أساسياً وجزءاً لا يتجزأ من تصفّح المقال والاعتماد على ما يُنشر فيه.

*هذا المقال يُوثّق حالة إدارية خاصة، ولا يمثّل الواقع الطبي العام في الأردن، ولا يُعمَّم على أي منشأة أخرى*

وفيما يلي، تفكيكٌ محدد لأبرز المحاور والركائز التي شكّلت هذا الواقع الإداري.

أولاً: استغلال فجوة التخصص بين الإدارة والملاك

نظراً لأن أغلب أعضاء مجلس الإدارة ينتمون إلى خلفية هندسية وعقارية بحتة، ويفتقرون تماماً للخبرة في القطاع الطبي وإدارة المستشفيات، استغل المدير العام هذه الفجوة المعرفية لفرض رأيه وتوجيه القرارات لصالح بقائه. اعتمد في ذلك على استخدام المصطلحات الطبية التخصصية والادعاء بالفهم المطلق للقطاع. ولم يتوقف الأمر عند استغلال جهل الملاك بالجانب الطبي، بل جرى الالتفاف الممنهج على عضو مجلس الإدارة الوحيد الذي هو "طبيب" أصلاً.

حيث كان المجلس في البداية يعتمد على هذا الدكتور وعلى نظرته الفنية الجيدة في تقييم الأمور. إلا أن وجود هذا الطبيب الخبير - بحكم خبرته الطبية الميدانية وتحفظه المستمر على قرارات المدير العام وكشف بعض أخطائه - بات يشكل عائقاً أمام توجهات المدير. وهنا لعب المدير لعبته بإقناع بقية الأعضاء بأن تحفظات هذا الدكتور ما هي إلا "تذمر وافتعال للمشاكل"، وشكك في غايات الدكتور من محاولات الإصلاح. نجح المدير أخيراً في تهميش رأي الدكتور وتحييده بعد أن كان المجلس يعتمد عليه، ليخلو له الجو تماماً في توجيه القرار وتغييب الحقيقة الفنية والمالية عن بقية الأعضاء.

ثانياً: تصدير المشاريع التوسعية الوهمية كأداة لكسب الوقت وإطالة عمره في المنشأة

يعتمد المدير العام على استراتيجية «الإلهاء بالمستقبل» عبر تقديم خطط ومشاريع تطويرية غير ملموسة على أرض الواقع. تشمل هذه الأطروحات وعوداً باستحداث تخصصات جديدة، أو بناء طوابق إضافية، أو فتح عيادات نوعية. يتم توقيت هذه الأطروحات بدقة متناهية بالتزامن مع زيارات أعضاء المجلس المغتربين إلى أرض الوطن، لإعطائهم انطباعاً زائفاً بوجود حراك وتطور مستمر. هذا الوهم يُستخدم لتبرير استمرار الخسائر المالية كأنها «كلفة مرحلية» لهذه التوسعات المفترضة التي ليست ذات قيمة حقيقية، بل هي أداة لتعزيز النزيف المالي وتعميق الخسائر.

ثالثاً: التذرع بالظروف الاقتصادية العامة كشماعة للفشل المالي

يعمد المدير العام دائماً إلى تبرير الخسائر المستمرة بربطها بـ "ضعف الاقتصاد العام"، متذرعاً بنماذج منتقاة بعناية لعزل أداء المستشفى عن واقع السوق الحقيقي. ويحدث هذا التضليل في وقت تشهد فيه المستشفيات المنافسة استقراراً ونمواً تشغيلياً ملموساً. هذا التباين يقطع الشك باليقين بأن الأزمة داخلية بنيوية، وتتعلق بالفشل الإداري المباشر لا بالبيئة الاقتصادية الخارجية كما يدعي.

رابعاً: اللعب على التناقضات والتسلل النفعي واختراق الخصوصيات

يقوم المدير العام بتتبع وفهم الطباع الشخصية لكل عضو في مجلس الإدارة، متجاوزاً حدود العمل المعتاد إلى التقصي عن الخلافات البينية، والملفات الشخصية، والمشاكل العائلية أو المالية المعروفة بينهم، ليستغلها بمواربة وانتهازية. هو يعتمد على التسلل النفعي في توجيه الخطاب، متمكناً من اختيار "الكلمة المناسبة، أمام الشخص المناسب، وفي الوقت المناسب".

بذلك، يتقرب من كل عضو على حدة، ويبرر تقصيره وفشله الإداري بإلقاء اللوم على أعضاء المجلس الآخرين، مستغلاً تباعدهم الجغرافي وانقطاع التواصل المباشر بينهم، مما يجعلهم غير قادرين على التأكد أو التحري عن حقيقة هذه القصص والادعاءات. ولم يتوقف الأمر عند تشتيت المتابعة فحسب، بل أدى هذا السلوك إلى تغذية الجفاء وتعميق الفجوة بين الملاك أنفسهم.

خامساً: التستر خلف العاطفة الدينية والنزاهة المصطنعة

يعمد دائماً على توظيف الطابع الديني كأداة دفاعية وحصن إداري متين أمام الملاك. ويحرص على إظهار مظاهر التقوى والصلاة أمامهم، والحديث المستمر عن الخوف من الله ونظافة اليد لتكريس صورة نمطية عن أمانته المطلقة. ويمزج هذا الإقناع الذكي ذو الطابع الديني بأساليب انفعالية مدروسة تشمل كثرة الحلفان والصراخ والاندفاع عند أي مساءلة، لإضفاء صبغة "المظلومية المحاربة" على شخصه.

سادساً: شيطنة الكفاءات وانحدار الفكر الإداري لمراقبة الكاميرات والعزلة المهنية

يقوم المدير العام بتطبيق آلية ممنهجة لتشويه الأداء المهني للموظفين المتميزين، ليرسخ قناعة لدى الملاك بأنه صمام الأمان الوحيد. ولكي يغطي على الفراغ التشغيلي وعجزه عن تنشيط حركة استقطاب المرضى، لجأ إلى اختزال المنظومة الإدارية في ممارسات سطحية مثل:

متابعة شاشات الكاميرات: تتبع الحضور والغياب ورصد الحركات التفصيلية للعاملين بناءً على تقارير كيدية.

إقصاء الخبرات: إنهاء خدمات الكفاءات كخطوة استباقية تجنباً لكشف التخبطات الإدارية وتغطية معالم الفشل المالي المتراكم.

العزلة المهنية وفشل الاندماج: العجز الواضح عن المشاركة في الفعاليات التي ترفع الدخل وتحسن الأداء، مثل جمعية المستشفيات الخاصة، أو التنسيق مع مدراء المستشفيات الأخرى، والاندماج ببيئة فاعلة مثل نقابة الأطباء ووزارة الصحة؛ مما أدى لفقدان المنشأة لشبكة التعاقدات الحيوية.

الانشغال بتوافه الأمور مقابل إهمال الاستراتيجيات: استنزاف وقت الإدارة في تفاصيل هامشية لا تقع ضمن اختصاص "رأس الهرم"، مقابل ترك القضايا الجوهرية مثل زيارة الأطباء في عياداتهم للوقوف على احتياجاتهم وتتبع ملاحظاتهم المهنية؛ حيث أصبحت سياسة الإدارة ترتكز على "تغطية المشاكل" بدلاً من إيجاد حلول جذرية لها.

الخلاصة

إن استمرار هذا النهج القائم على التفرد، وتشتيت الرقابة، وتعميق الخلافات البينية، وضَع المنشأة أمام واقع تشغيلي متهالك ونزيف مالي مستمر. غياب المكاشفة الحقيقية وتغييب الحقائق الفنية والمالية عن مجلس الإدارة شكّل تهديداً مباشراً لاستدامة المستشفى وقدرته على البقاء.

الدروس المستفادة من المقال

1. وهم "الإدارة بالأماني": اليقين بأنّ التمني لا يدير مؤسسات، بل هو أسرع طريق للهلاك والانهيار.

2. الكفاءة خلف الأرقام: العبرة ليست في البيانات الصماء، بل فيمن يملك الاحترافية لقراءة وفهم ما خلف هذه الأرقام.

3. خطورة تجهيل الملاك: تغييب الرقابة التقنية المتخصصة سيؤدي حتماً إلى طريق مسدود لا ينفع فيه الندم.

4. كسر هالة "القدسية": الحفاظ على الكيانات الطبية يبدأ جذرياً بكسر هالة القدسية المصطنعة حول أي مدير، وإخضاعه للمساءلة.

5. سلطة المنطق والنتائج: وجوب إخضاع كل قرار لميزان المنطق والنتائج الميدانية، ورفض تمرير القرارات تحت غطاء العاطفة أو الدين.

المنعطف الحرج ومرحلة التحول

تُشكل هذه المرحلة نقطة الانعطاف الأساسية في المسار التشغيلي لهذه المنشأة؛ حيث أدى شغور بعض المواقع القيادية المحورية وتغير الإدارة المالية إلى اتساع الفجوة الرقابية وزيادة تعقيد المشهد. لقد تضافرت هذه التحولات الهيكلية لتسرّع من وتيرة التراجع الإداري، وهو ما سأتناول أبعاده الميدانية وآثاره التشغيلية في الأجزاء القادمة من هذه السلسلة قبل الدخول في سلسلة المربع الحرج.

للاطلاع على كافة أجزاء السلسلة المهنية والتقارير الاستراتيجية، تفضل بزيارة الفهرس الكامل:

الوصول إلى الفهرس الكامل ←