التخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس أربعين عاما من العمر: ما تعلمته وما بات واجبا أن أطبقه

هذا المقال خارج سياق "المذكرات المهنية" المعتاد على هذه المدونة؛ فهو ليس توثيقاً لواقعة إدارية ولا تحليلاً لموقف مؤسسي، بل بوح إنساني صرف كتبته بمناسبة عبوري إلى عامي الأربعين.

وقفة على أعتاب الأربعين

أطويت اليوم تسعة وثلاثين عاماً، وأضع قدمي في العام الأربعين. ليس الأمر مجرد رقم ينضاف إلى السجل، بل هو خط فاصل يفرض عليك أن تتوقف، تتأمل، وتُقرّ بواقعك بلا مواربة ولا تجمّل أمام هذه المحطة، لا أجد ما يختصر مشاعر الامتنان والخوف في آن واحد إلا هذه الآية الكريمة، بدعائها القاطع:

﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾

فكل ما أنا فيه من ستر، وصحة، وعائلة، وتوفيق، لم يكن يوماً بذكائي ولا بمهارتي، بل هو فضل محض ممن يعطي بلا حساب

1. سنة واحدة اليوم تعادل عشرين سنة في الماضي: إما أن تتغيّر أو تُدهس!

حين تتطلع إلى المسار الشخصي والعملي بين العشرينيات والثلاثينيات والآن، تدرك أن القناعات ليست حجراً صلداً. المبادئ والنزاهة الثابتة أمور لا تُمس، لكن طريقة فهمك للأشياء وأدوات تعاملك معها تتبدل رغماً عنك.

الواقع اليوم لا يرحم؛ فالحياة تركض بسرعة جنونية جعلت ما كان يتغيّر في أجيال سابقة خلال عشرين عاماً يتبدّل اليوم في سنة واحدة! من يجمد عند أدواته القديمة ومفاهيمه البائدة سيتجاوزه الزمن في لحظة،فالمواكبة والمرونة اليوم ليستا خياراً بل شرط بقاء.

2. الرموز التي ظنناها لا تموت.. لم تكن إلا رماداً طيّرته أول هبة هواء!

مع الممارسة والتجارب المباشرة، تتكسر الواجهات الزائفة كالفخار.

كنا في بداياتنا ننخدع بالمسميات البراقة والهيبات المصنوعة؛ ونظن لوهلة أن بعض الشخصيات يمسكون بالكون، وأنهم فوق السقوط والزوال. لكن الحقيقة العارية أثبتت أن هذه الهالات مجرد خيوط عنكبوت؛ في ثانية واحدة تُنسف هذه الصور وتتحول إلى رماد، وما كنا نعتقده ثباتاً ورسوخاً تكتشف أن أسرع هبة هواء كفيلة بمسحه من الوجود.

في واحة التعاملات الصريحة، البهرجة والادعاء لا يصمدان، والبقاء والسيطرة الحقيقية تكون دائماً للأقدر، والأقوى، والأملأ مالياً وفكرياً.. لنصل في النهاية إلى النتيجة الوحيدة المحسومة: أن العظمة لله وحده.

3. لا تلمني إذا ظلمتُك.. فمظهرك السيئ وأسلوبك الأخرق هما من جنى عليك!

كم مرّ علينا أشخاص كنا ننفر من مرآهم، نتشاءم من أسلوبهم، ونرسم عنهم في عقولنا صورة سيئة لسنوات؟ والأنكى من ذلك، أن الأمر لم يقف عند الانطباع الذهني، بل قد نكون ظلمناهم فعلياً في مواقف عمل حقيقية— همّشناهم، حجبنا عنهم حقاً، أو اتخذنا ضدهم موقفاً حاداً.

ثم حين تجمعك بهم الظروف غصباً عنك وتتعامل معهم عن قرب، تصدمك الحقيقة: إنهم من أنقى الناس، وأكثرهم أدباً وإتقاناً!

نعم، قد نكون أخطأنا باستعجال التقييم وسحب الانطباع على قرارات عملية.. لكن الخطأ الأكبر والأثقل يقع عليهم هم بالكامل! بيئة التعامل ليست مكاناً لتقديم مظهر سيئ أو أسلوب أخرق ينفر البشر. عندما تُصر على التلثم بهيبة مزيفة وسلوك يبعث على التوجس، فأنت من يصنع الجدار، وأنت من يقدّم للناس المفتاح الخاطئ لقراءتك، وأنت من يظلم نفسه والجميع بمنظر منفر يُخفي خلفه ماءً زلالاً لا يكتشفه أحد إلا بعد فوات الأوان.

4. سوف تُخدع وستتلقى الصفعات حتى آخر يوم في عمرك.. فلا تدّعِ الفطنة!

دعنا نتوقف عن المكابرة والادعاء الفارغ. نحن، وحتى آخر يوم في حياتنا، سنظل نقع في فخ الانخداع بالأشخاص والأصدقاء، ولن نتعلم الدرس كاملاً مهما ادّعينا الذكاء، أو توهّمنا أننا نضع الناس في مختبرات الفحص والتدقيق.

بلا ادّعاء للفطنة وبلا القول إنك تعرف أصدقاءك وتُحسن الحكم عليهم: ستُنخدع، وسيخيب ظنك، وتُمرَّر عليك الحيلة.

والصدمة الحقيقية ليست في مجرد الانخداع، بل في ذلك السقوط المريع؛ فقد تقابل شخصاً من شدة نقائه الظاهري تحسبه ملاكاً أو قديساً تستغرب وجوده على الأرض وتتخيل أن مكانه الطبيعي في السماء. لكن، عند أول محك حقيقي وتصادم مع المصالح الضيقة، تسقط الأقنعة دفعة واحدة؛ لتكتشف أنك كنت محقاً حين ظننت أن مكانه ليس على الأرض.. ولكن ليس لأنه ملاك، بل لأن قاع السقوط لديه يتجاوز كل تخيل، وكأنه يربض في أسفل السافلين، لا ليأخذ دروساً من إبليس، بل ليعلّم إبليس نفسه كيف تكون النذالة وتلوّن الوجوه!

5. أنتم لستم أذكياء.. أنتم تتدربون على السكن في الدرك الأسفل!

هل تساءلت يوماً: هل يمكن أن نكون—معظمنا ومن حولنا—في الدرك الأسفل من النار دون أن ندري؟

صحيح أن للمسلم ميزات ورحمات لا تصح لغيره، ونملك جميعاً طمعاً مشروعاً في فضل الله العظيم وشفاعة نبينا الكريم، لكن ديننا وضع مسطرة قاطعة لا تجامل أحداً؛ حين جعل الدرك الأسفل من النار—وهي مرتبة أشد وأبشع حتى من درجة إبليس نفسه—مقراً للمنافقين.

ودون الحاجة للاستغراق في سرد الأحاديث والآيات بأسلوب وعظي تقليدي، ينبغي للمرء أن يتأمل في واقع التعاملات من حوله؛ كم شخصاً بيننا ونعرفهم بالاسم يكذبون في القول، ويُخلفون وعودهم، ويخونون أماناتهم بدم بارد وكأنها مهارة في الحياة؟ والأهم والأبشع من ذلك كله: الفجور في الخصومة، والتلذذ بالإيذاء والتشفّي عند أول اختلاف!

التناقض الصادم هنا هو كيف يطمئن الإنسان لمجرد انتمائه الظاهري، بينما تصرفاته الواقعية تجعله يمارس يومياً ذات الصفات التي تهوي بصاحبها إلى ذلك القاع المفزع دون أن يشعر!

6. التعاطف المريض: متى يتحوّل "الحنان المفرط" إلى اعتراض على قدر الله؟

يجب أن نضع حداً فاصلاً وواضحاً بين الواجب الإنساني والديني، وبين "التعاطف المستهلك" الذي يتحول إلى عاطفة مريضة ومدمّرة.

أداء حقوق الناس، وخدمتهم، والوقوف معهم في أزماتهم واجبات وأصول لا نساوم عليها. لكن المشكلة في ذلك النزيف العاطفي الذي يستنزف مشاعرك وطاقتك في الاتجاه الخاطئ؛ فهو يشل حركتك، ويجعلك واقفاً على عتبات الماضي عاجزاً عن التجاوز، ويغذي لدى الآخرين عقلية "المظلومية والضحية" بدلاً من الدفع نحو العمل والسعي.

والأشد خطورة من ذلك كله: أن هذا الاستغراق الزائد يُسقطك—دون أن تشعر—في فخ الاعتراض الضمني على أحكام الله في الأرض، والتصادم مع القوانين الإلهية الثابتة التي تسير بها الحياة.

7. المسطرة التي لا تخطئ: خائن أهله يستحيل أن تجد فيه خيراً!

وسط كل هذه الخيبات، تثبت حقيقة واحدة صلبة لا تميل: أن الأهل والإخوة هم السند الجداري الحقيقي الذي لا يتركه المرء مهما مالت الظروف، وأن البيت الأول هو الانطلاقة والأساس لكل شيء.

ومن هذا المنطلق، تعلمت مسطرة قاطعة في تقييم البشر: يستحيل، ومن السابع مستحيلات، أن تنجح أي علاقة في الحياة—مهما كانت صداقة أو شراكة أو زواجاً—مع شخص يكتنفه الخلل والقطيعة في علاقته مع أهله!

من فشل في اختبار بيته الأول، ومن لا يعترف بفضل السند الذي نشأ فيه، ومن يجفو جذوره ولا خير فيه لأقرب الناس إليه؛ يستحيل أن تلمس منه وفاءً أو ثباتاً حقيقياً حين تتقاطع المصالح معك كغريب!

ولا يكتمل هذا السند إلا بالبيت الذي أسسته بنفسي: زوجتي وأبنائي هم قاعدة الأمان التي أرتكز عليها اليوم، ولهم مني فضل التغافل الذكي عن صغائر الأمور، وحرص دائم على أن يشعروا بالأمن والسند في كل ظرف. فالبيت ليس مكاناً للمحاسبة على كل هفوة، بل ملاذاً يُبنى بالتغافل الواعي والحضور الدائم، ولا قيمة لكل ما تحققه خارج جدرانه إن لم يشعر من فيه بالدفء والطمأنينة.

8. تخلَّ عن فكرة أنك "محور الكون".. الحياة لم تبدأ بعد!

في نهاية المطاف، تنجلي كل المساحيق لنقف أمام القول الفصل:

﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾

تخلَّ عن فكرة أنك "محور الكون"، وتذكّر دائماً أنك ستُنسى وكأنك لم تكن؛ فلا يتبقى من وجودك إلا الأثر الصالح وما نفع الناس. واعلم أن حياتنا هذه، بكل ما فيها من صراعات، ومكاسب، وخيبات، لم تبدأ بعد! نحن فقط في مرحلة الإعداد والتهيئة للحياة الحقيقية التي سندرك قيمتها حين نصرخ جميعاً:

﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾

وأنا أكتب هذا الكلام، لا أرتدي ثوب الوعّاظ، بل يعتصر قلبي خوف حقيقي على نفسي؛ فلعلني أول من يقصّر في تطبيق ما يُكتب، ولعلني عِبت أموراً وقعتُ فيها، ومدحت ما لم أفعله كما ينبغي. وقد يكون من يقرأ هذا النص أنقى وأرفع عند الله مني بألف مرة.

لكنها محاولة للفرار من المقت الإلهي المخيف:

﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾

اللهم اجعل القادم من العمر خيراً مما مضى، واجعل قولنا مطابقاً لفعلنا، وأصلح لنا في ذرياتنا وأهلنا، واجعلنا من الشاكرين.

للاطلاع على كافة أجزاء السلسلة المهنية والتقارير الاستراتيجية، تفضل بزيارة الفهرس الكامل:

الوصول إلى الفهرس الكامل ←